شهدت مسألة إسقاط الجنسية العراقية منذ تأسيس الدولة عام 1921 مساراً معقداً ومتحولاً، إذ ارتبطت هذه الظاهرة ارتباطاً وثيقاً بالتقلبات السياسية والتشريعية التي مرّت بها البلاد, فقد برزت في العقد الثالث من القرن الماضي أولى الصور الواضحة لإسقاط الجنسية عن بعض فئات المجتمع، حيث استُخدم هذا الإجراء في سياقات سياسية واجتماعية متعددة، مما أثار الحاجة الملحّة لوضع إطار قانوني أكثر دقة يُنظّم ممارسة هذا الاختصاص السيادي, ومع مرور الزمن وخصوصاً خلال خمسينيات القرن العشرين، اتسعت دائرة تطبيق إجراءات إسقاط الجنسية، وازدادت الحالات التي تأثرت بها فئات مختلفة من المواطنين وهو ما كشف عن ثغرات تشريعية كبيرة وأبرز ضرورة إعادة النظر في القوانين النافذة آنذاك.
وجاء قانون الجنسية العراقية رقم (43) لسنة 1963 ليجسّد هذا التوجه بوضوح، إذ تضمن أحكاماً صريحة تجيز إسقاط الجنسية عن بعض الأشخاص في حالات محددة. إلا أنّ التطبيق العملي لتلك النصوص لم يكن دائماً منضبطاً بالمعايير القانونية والإنسانية، بل شكّل في كثير من الأحيان أداة لفرض سياسات معينة أو لإدارة التوازنات الداخلية بطرق مخالفة للضمانات الدستورية. وقد بلغ الأمر ذروته مع صدور قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) رقم (666) لسنة 1980، الذي أتاح للسلطات آنذاك إسقاط الجنسية العراقية لأسباب يغلب عليها الطابع السياسي أو الطائفي أو العرقي، في خطوة تمثل خروجاً خطيراً عن المبادئ الأساسية التي كفلتها الدساتير العراقية المتعاقبة والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وقد أدى تطبيق القرار المذكور إلى تفاقم ظاهرة إسقاط الجنسية على نحو غير مسبوق، إذ حُرم آلاف الأشخاص من جنسيتهم بصورة تعسفية، كما ترافقت عملية الإسقاط في العديد من الحالات مع فرض عقوبات إضافية، أبرزها الإبعاد القسري خارج الأراضي العراقية. وهذا السلوك شكّل انتهاكاً واضحاً لأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، ولاسيما المادة التي تحظر الحرمان التعسفي من الجنسية، وكذلك مخالفة صريحة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي يحظر الإبعاد غير المشروع والتمييز بين المواطنين.
وبعد عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من التحول السياسي والدستوري والتشريعي، انعكست آثارها مباشرة على نظام الجنسية. فقد تضمّن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 مجموعة من الضمانات التي تهدف إلى حماية حق الفرد في الجنسية، منها حظر إسقاط الجنسية لأسباب سياسية أو عنصرية أو طائفية، وإلزام الدولة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإعادة الجنسية إلى من سُلبت منهم بصورة غير قانونية. ثم جاء قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2006 ليعالج العديد من الإشكالات المتراكمة، حيث فتح الباب لاستعادة الجنسية وفق ضوابط محددة وإجراءات واضحة، كما منح المتضررين مجالاً للطعن أمام القضاء المختص. وقد أُسندت للمحاكم الإدارية مهمة النظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكام القانون، مما أرسى نظاماً رقابياً يوفر حماية قضائية فعّالة للحقوق المتعلقة بالجنسية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه الإصلاحات التشريعية والقضائية، فإنها ما تزال غير كافية لمعالجة كافة التداعيات التي خلفتها عقود طويلة من سياسات إسقاط الجنسية. فما زال العديد من الأفراد والعائلات يعانون من آثار تلك القرارات، سواء من حيث انعدام الجنسية أو عرقلة العودة إلى الوطن أو صعوبات استعادة الحقوق المدنية. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى تعزيز الضمانات القانونية القائمة، وتطوير آليات أكثر شمولاً لاسترداد الحقوق، فضلاً عن اعتماد سياسات حكومية تتسم بالعدالة والشفافية وتنسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. إن حماية حق الفرد في الجنسية، باعتباره حقاً أصيلاً وأساسياً، تتطلب استمرار الجهود التشريعية والقضائية والإدارية لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات، ولترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الركيزة الجوهرية لبناء دولة القانون.
قسم القانون كلية الادريسي الجامعة.
التدريسي في قسم القانون (م.م عمر حازم الفهداوي)
