قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالجريمة… بين الفكرة والواقع

إن التطور المتسارع الذي تشهده تقنيات الذكاء الاصطناعي، أدى إلى دخول هذه البرمجيات المتطورة إلى قطاعات الحياة البشرية كافة، لذلك لم يكن القانون الجزائي وأجهزة العدالة بمنأى عن هذه الابتكارات، والتي نتج عنها عدة آثار، منها ما هو سلبي ومنها ما هوم إيجابيي، أما عن جانبها السلبي فيتمثل في دورها في تطوير أدوات وطرق وأنماط الجرائم، إذ نجح مجرمي هذا العصر، في تحديث أدواتهم وتسهيل أعمالهم بل وابتكار أنماط جرمية جديدة بواسطة استخدام هذه التكنولوجيا الحديثة، أما عن الجانب الإيجابي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، فتتمثل في دور هذه التقنيات في تحقيق العدالة وكشف ملابسات الجريمة عبر سلسلة من النظم والبرمجيات القادرة على ربط الأدلة وتحليلها واستخلاص النتائج منها، وصولاً إلى المساعدة في معرفة شخص المجرم.

 

لكن أثر الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية، لا يقتصر على الإسهام في كشف الجرائم وملاحقة مجرميها، بل وصلت هذه التقنيات إلى درجة تستطيع فيها التنبؤ بالجريمة قبل وقوعها، من خلال تحليل بيانات وجمع معلومات وإجراء تقاطعات بينها، الأمر الذي يسهم في التصدي للمجرمين قبل ارتكاب جريمتهم. 

أولاً: ماهية التنبؤ بالجريمة:

يقصد بالتنبؤ بالجريمة عملية توقع ارتكاب جريمة في المستقبل، بهدف الحيلولة دونها، على أن يتم ذلك قبل مدة كافية، تسمح للسلطات المختصة بمنع حدوث تلك الجريمة، وبالتالي فالتنبؤ بالجريمة ما هو إلا عملية قراءة وتحليل سلوك مستقبلي ينطوي على خطورة إجرامية لدى بعض الأفراد.

 والتنبؤ بالجريمة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ليس علماً بالغيب، وإنما هو توقع راجع محتمل الوقوع، نتيجة تحليل كم كبير من المعلومات والبيانات بالاعتماد على نظم الذكاء الاصطناعي، لذلك بات لهذه النظم أثر بالغ في إجهاض الجريمة قبل اكتمالها.

وقد كان دخول الذكاء الاصطناعي في علم الجريمة استجابة طبيعية لمتطلبات هذا العصر، فبعد أن كانت النظريات الفقهية تدرس المجرم، وتحلله نفسياً واجتماعياً وبيولوجياً، حتى تقيِّم خطورته الإجرامية، وتفرض العقوبات والتدابير المناسبة لوضعه، بشكل يمنعه من العودة إلى ارتكاب جرائم أخرى، أصبحت الآن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تقوم بهذه المهمات بشكل مسبق وتحلل المعلومات بصورة أدق وأسرع وبتكلفة أقل، الأمر الذي يجعلها تنبئ باحتمال وقوع جريمة ما.

وعليه، فإن الذكاء الاصطناعي بات أداة تحليلية فائقة الدقة في عمليات التنبؤ بالجريمة، إذ هذه التقنيات تمتاز بقدرتها على استشراف الوقائع المستقبلية والكشف عنها قبل وقوعها، الأمر الذي يتيح للأجهزة الأمنية إمكانية اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة للحيلولة دون حدوث الجرائم المحتملة، كما أن هذه الأنظمة الذكية تتميز بقدرتها على تحديد أهدافها بدقة عالية، حيث يقتصر دور الإنسان فيها على إدخال البيانات وتزويدها بالحالات المشابهة، بينما تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي بمهمة التحليل والاستنتاج والتنبؤ بدرجة عالية من الدقة.

 

وبالتالي، يمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي قد أسهم إسهاماً ملحوظاً في تعزيز آليات الحد من انتشار الجرائم بوجه عام، فضلاً عن دوره المتنامي في دعم التحقيقات اللاحقة لارتكاب الجريمة.

ثانياً: الذكاء الاصطناعي والشرطة التنبئية:

إن دور الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالجريمة، فتح المجال مام نمط جديد ومستحدث من أجهزة العدالة الجنائية، يتمثل فيما يعرف بـ “الشرطة التنبئية”، وهي منظومة تعتمد على تقنيات وتطبيقات ذكية متقدمة تقوم بمهمة جمع البيانات الجوهرية المرتبطة بالظواهر الإجرامية وتحليلها بصورة منهجية، وتخلص هذه المنظومة في نهاية عملها إلى إصدار إشعارات وإنذارات موجهة إلى عناصر الشرطة القضائية، بهدف تمكينهم من اتخاذ التدابير الوقائية والاستباقية اللازمة، بما يسهم في منع وقوع الفعل الإجرامي وإحباطه قبل تحققه.

 

ومن أجل تحقيق أهدافا، يمكن للشرطة التنبئية الاستفادة من ابتكارات الذكاء الاصطناعي الحديثة، أو الاستفادة من تلك النظم التقليدية التي دخلت عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي وجعلتها أكثر دقة وفاعلية، ومنها:  

1-  استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والفيديوهات: يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال بهدف استخلاص معلومات دقيقة تتعلق بالأشخاص والأشياء والأنشطة المختلفة، بما يسهم في دعم مسار التحقيقات الجنائية وتعزيز فعاليتها، إذ تتمتع خوارزميات الذكاء الاصطناعي بقدرات تحليلية متقدمة تمكّنها من إجراء مطابقة الوجوه، والتعرّف على الأسلحة والأدوات المستخدمة، فضلاً عن الكشف عن عناصر أخرى ذات صلة بالوقائع الإجرامية، الأمر الذي يوفر دعماً تقنياً مهماً لجهات إنقاذ القانون.

2-  تطوير الذكاء الاصطناعي للطائرات بدون طيار (Drones): تتمتع الطائرات بدون طيار المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي بقدرة متقدمة على مراقبة السلامة العامة وجمع معلومات استخباراتية ذات قيمة عالية، كما تسهم في تحليل الأوضاع الميدانية وتقييم المخاطر المحتملة بصورة دقيقة، ويتيح ذلك للجهات المختصة اتخاذ استجابات أكثر فاعلية ووعياً في مواجهة الحالات الخطرة، بما يعزز من سرعة التدخل ودقته ويحد من التهديدات الإجرامية المحتملة. 

3-  تعقب أصوات إطلاق النار بواسطة الذكاء الاصطناعي: يمكن استخدام الأنظمة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي في رصد وتعقب أصوات إطلاق النار من خلال شبكة من أجهزة الاستشعار المتخصصة، حيث تعمل هذه الأنظمة على تحليل الموجات الصوتية لتحديد مصدر الطلقات بدقة عالية، وتُمكّن هذه التقنية من تنبيه السلطات المختصة خلال فترة زمنية وجيزة، فضلاً عن إشعار أقرب المؤسسات الصحية، ولا سيما المستشفيات، بما يسهم في سرعة الاستجابة وتقليل الخسائر المحتملة، وقد نجحت تجربة هذا النمط من تقنيات الذكاء الاصطناعي –والتي تسمى تقنية “سوت سبوت”- في العديد من الدول ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية.

4-  تطوير الذكاء الاصطناعي لنظام التعقب (GPS): إن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذه التقنية أسهم في تطوير جمع البيانات والوصول إليها وتحديثها وتحليلها بصورة مستمرة -كمعرفة سرعة المركبات ومستخدمي بطاقات الائتمان- كما أتاح إمكانية تقديم تنبوءات تحليلية بإمكانية وقوع جرائم قبل حدوثها.

وبالتالي نستنتج مما سبق، أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت ذات صلة وثيقة بمجال الأمن وحماية سلامة المجتمع من الجريمة، نظراً لما تمتلكه من قدرات متقدمة على استشراف الأنشطة الإجرامية والتنبؤ بها قبل وقوعها، ويأتي هذا الدور مكملاً لعمل جهاز الشرطة التنبئية، الذي يشكل أداة حديثة تهدف، قدر الإمكان، إلى تعقّب مرتكبي الجرائم ومواجهتهم بصورة استباقية.

ثالثاً: التجارب العملية في استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالجرائم:

قد بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تنتشر يوماً بعد يوم، وقد استجابت الكثير من النظم القانونية الوطنية لهذه التكنولوجيا المستحدثة، وسعت إلا إدخالها في نظامها القانوني الجنائي، وأبرزها دول مثل وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والصين والإمارات:  

1- فرنسا: كانت فرنسا من أوائل الدول التي أدركت أهمية الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي لمكافحة الجريمة، ولا سيما الجرائم –ولاسيما ذات الطابع الإرهابي- فقد نصت تشريعاتها (المادة الثامنة من قانون الإرهاب الجديد لعام 2021) على منح السلطات الأمنية صلاحية مراقبة محركات البحث المرتبطة بشبكة الإنترنت، مع إمكانية إرسال تنبيهات فورية إلى الجهات المختصة في حال قيام أحد المستخدمين بتصفح مواقع ذات محتوى جهادي أو بمشاهدة مقاطع فيديو منشورة من قبل جماعات إرهابية، وبذلك، يكون المشرع الفرنسي قد شجع على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات المتاحة عبر محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، وإخضاعها للتحليل الجنائي التنبئي، الأمر الذي منح لجهاز الشرطة التنبئية دوراً محورياً في مجال منع وقوع الجريمة أساساً.

2- الولايات المتحدة الأمريكية: في الولايات المتحدة الأمريكية وفي “ولاية ويسكونس” تحديداً، بدأ استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الجنائية، حيث شهد شهر شباط من عام 2013 إلقاء القبض على شخص متورط في ارتكاب عدة جرائم، غير أنه لم يعترف أثناء التحقيق إلا ببعضها، وهو ما دفع السلطات إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وبالأخص بتطبيق «COMPAS»، الذي صنّف المتهم ضمن فئة ذوي الخطورة العالية، الأمر الذي انعكس على الحكم الصادر بحقه، إذ تم إيداعه السجن استناداً إلى هذا التقييم القائم على خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

3- الصين: تعد دولة الصين مثالاً بارزاً في هذا السياق، إذ تتجه إلى توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي من تقنيات وكاميرات المراقبة وغيرها في التعرف على الوجوه بغرض التنبؤ بالأنشطة الإجرامية ومنع وقوعها، وفي هذا الإطار، تتعاون الشرطة الصينية مع شركات التكنولوجيا المتخصصة من أجل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل بيانات تحركات الأفراد وأنماط سلوكهم، بما يساعد على تقييم احتمالات ارتكاب الجريمة والتدخل المسبق عبر توقيف المشتبه فيهم قبل تنفيذ الفعل الإجرامي.

وفي إطار مواكبة هذا التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، تم في الصين إنشاء شركة «كلاود ووك» (CloudWalk)، المتخصصة في تقنيات التعرف على الوجوه، والتي تعتمد على أنظمة تحليلية تستخدم بيانات تتعلق بتحركات الأفراد وسلوكياتهم لتقدير احتمالية تورطهم في أنشطة إجرامية محتملة، ويأتي ذلك في سياق سعي الصين إلى تعزيز جاهزيتها الأمنية في مواجهة المستجدات العالمية، ولا سيما في الفضاء الرقمي.

4- الإمارات العربية المتحدة: نجحت شرطة إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، في تطوير منظومة كشف وملاحقة الجرائم عبر الذكاء الاصطناعي، من خلال تصميم واعتماد تطبيق شرطة دبي، الأمر الذي سهل إجراءات البلاغات والشكاوى وجعلها بطريقة ذكية وسهلة، الأمر الذي أسهم في الحد من انتشار الجريمة أو منع تفاقمها بعد حدوثها، ومكن السلطات المختصة من معرفة الأفعال والمخالفات التي من شأنها إحداث أثر جرمي، وبالتالي تعزيز إمكانية منع حدوثها.

وبالتالي نلاحظ أن التشريعات المذكورة، ساعية إلى مواكبة التطور الحاصل في المجتمع مع انتشار التكنولوجيا، وذلك أحدثت نظم وأقرت آليات وتطورت تشريعات تتعلق بتجديد وتعزيز أجهزة العدالة الجنائية من خلال الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

الخاتمة:

لا يخفى على أحد أن مكافحة الجريمة أمر ضروري لأمن وسلامة المجتمع، لذلك يفترض أن تواكب سبل المكافحة واقع المجتمع الذي تمت فيه الجريمة، وطبيعة هذه الأخيرة وأدواتها الجرمية، لذلك فإن دخول الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية كان ضرورة تحاكي تطور المجتمع وحداثة الأنماط الجرمية.  

وقد لاحظنا السعي الدؤوب للدول في الوقت الراهن إلى تحديث وتطوير أجهزة العدالة الجنائية بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة في ميدان التكنولوجيا الرقمية، من خلال الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحليل والبحث والاستنتاج بهدف جمع المعلومات المرتبطة بالأفعال الإجرامية المستقبلية لمنع حدوثها والحفاظ على أمن وسلامة المجتمع.

لذلك، بات للذكاء الاصطناعي دور مهم في عملية التنبؤ بالجريمة ومنع وقوعها، إذ بات رهان التشريعات الوطنية والدولية حالياً، يتجه نحو تفعيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي بالشكل الذي يحافظ على أمن المجتمع وسلامته من الجريمة.

م.م : ثامر مخلف شكر