مقالة بعنوان الملكية الخاصة حق مقيد اعداد/ م.م محمد عوده صالح

إن حق الملكية يمثل الوسيلة التي تعطي للمالك السلطة التي يمارسها على ملكه في مواجهة الناس كافة، ومن الممكن أن يتعرض هذا الحق إلى تعد أو تجاوز عليه، ويستند حق الملكية على أسس دستورية وقانونية، وتكون الأساس لحماية هذا الحق والتي تقررت للأموال الخاصة وكفل حمايتها الدستور، فضلاً عن الحماية القانونية له، وقد أعطى القانون صاحب الملكية سلطات على ملكيته، فله أن يستعمل الشيء الذي يملكه، وله حق استغلاله، وكذلك له الحق في التصرف به.

وإن حق الملكية من أهم الحقوق، التي تقتضية الفطرة الإنسانية، وتدفع إليه غريزة حب البقاء، ويشكل أحد المرتكزات الرئيسية في نظامنا القانوني، وتكفله جميع الشرائع والدساتير وإعلان حقوق الإنسان، فإن حق الملكية هو أوسع الحقوق العينية نطاقاً، بل هو جماع هذه الحقوق العينية، وعنه تتفرع جميعاً، فمن له حق الملكية على شيء، كان له حق استعماله، وحق استغلاله، وحق التصرف به، وبذلك يستجمع كل السلطات التي يعطيها القانون للشخص على الشيء، فإن حق الملكية حصيلة جهد الإنسان وثمرة عمله، وسعيه لكسب الرزق، وتكوين الثروة، ولذلك يعتبر حقاً مقدساً لا يجوز مساسه، ثم تغيرت هذه النظرية تماشياً مع التغير في المفاهيم الأساسية والتطورات الاقتصادية.

حيث كانت معظم الشرائع تعتبر الملكية حقاً مطلقاً، حيث أن لصاحبها مطلق الحرية للتصرف فيها، بل وكانت هذه الشرائع تعتبر هذا الحق مقدساً يمنع المساس به، لكن تقديس الملكية الخاصة بكونها حقاً مطلقاً لم يدم طويلاً إذ تعرض هذا الحق للانتقاد من قبل بعض الفقهاء، وحاولوا إيجاد أساس آخر للملكية الخاصة للوصول إلى فرض القيود عليها بما يتلاءم مع المنفعة العامة.

وبناءً على ذلك فقد اعتبر أن للملكية الخاصة وظيفة اجتماعية يضحى بها من أجل المصلحة العامة ولقاء تعويض عادل، وعليه فقد ظهرت بعض الاستثناءات والقيود التي تنص على تقييد سلطة المالك على ملكه، واهم هذه الاستثناءات هو التأميم والمصادرة والاستملاك) وتعتبر أحد الأسباب القانونية التي تخول للإدارة نقل المشرع في أي دولة بهدف وضع اليد ونزع الملكية الخاصة من أصحابها ومن أجل تحقيق المنفعة العامة , وإن الآلية القانونية التي يعتمدها ملكية عقار مملوك لأحد الأفراد لتحقيق أهداف ومصالح عامة يتعذر إنجازها دون اللجوء إلى استملاكها وبعد التعويض على أصحابها.

وإن حماية هذا الحق لا تجعل منه حقاً مطلقاً لا يمكن مساسه، ذلك أن العيش في مجتمع يقتضي البحث عما يحقق مصالح المجموع، ولو ترتب عليه التضحية بمصالح بعض الأفراد، لذا فإن القانون يتدخل فيرسم الملكية الخاصة وحدودها، ويحدد لها وظيفتها الاجتماعية.

ولقد تقرر بناء على ذلك، إمكان نزع الملكية الخاصة في بعض الحالات، تغليباً للمنفعة العامة للجماعة، على المنفعة الخاصة للمالك، واستثناء من الأصل الدستوري العام القاضي بحماية الحق في الملكية، ومن أهم هذه القيود: التأميم، وتحديد الملكية، والمصادرة، والاستيلاء، ثم أخيراً ” الاستملاك “.

إذاً على الرغم من أن الملكية، مصونة دستورياً وقانونياً فإن هذا المبدأ ليس مطلقاً، فقد اضطر المشرع إلى إقرار استثناء على هذا المبدأ بسبب ضرورات المصلحة العامة، فقام بسن تشريع نزع الملكية، جاعلاً المصلحة العامة تعلو على المصلحة الخاصة عند التعارض.

حيث يعد مفهوم المنفعة العامة أساس القانون الإداري وحجر الزاوية فيه، إضافة إلى أن تدخل الدولة وممارسة سلطاتها العامة، وحتى الاستثنائية منها لا يكون إلا باسم المنفعة العامة، بل إن مقدار هذا التدخل يتحدد بمدى المنفعة العامة من وراء تصرفها، وإن فكرة المنفعة العامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحريات الأفراد، ومن أجل حماية مصالح الأفراد وضمانها، لا بد من تحديد ما تشمله عبارة ” المنفعة العامة”.

وبالرغم من الأهمية التي أحاطت بالمنفعة العامة، بقيت هذه الأخيرة من دون تعريف وتحديد معيار واضح سواء من قبل المشرع أو من قبل القضاء الإداري، فلقد درجت التشريعات في كثير من الدول على عدم تحديد المنفعة العامة وتعريفها، واكتفى بشرط توافرها لنزع الملكية من الأفراد، ما جعل السند القانوني الذي يتوقف على مراعاته احترام حق الملكية الخاصة، واسعاً فضفاضاً خالياً من أي تحديد دقيق، ونتيجة لهذا النقص التشريعي، منحت الإدارة سلطة استنسابية في مجال نزع الملكية، وأصبحت المنفعة العامة، بناء على ذلك، تتأرجح ضيقاً واتساعاً بحسب الفلسفة التي تأخذ بها الدولة.

وبنتيجة ما تقدم، وعلى ضوء التقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، دفع هذا بالدولة إلى تدخلها في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما أدى ذلك إلى جعل إدارات ومؤسسات الدولة في حاجة ماسة إلى تلبية المصالح الاجتماعية العامة، مما ألزم ذلك ظهور بعض الاستثناءات والقيود التي نص عليها المشترع، والتي تحد من سلطة المالك على ملكه الخاص.

ولقد كانت الملكية العقارية عبر العصـور مـن أهـم مصـادر الصراعات والخلافات، ومـرت مـن مرحلـة الـحـق المطلـق إلى مرحلـة الوظيفة الاجتماعية، وهـي تتجـه نـحـو أن تكـون واجباً على الشخص، أي أن حـق الملكيـة يتجـه إلى إلـزام المالـك بصـفته مالكـاً، بـأداء خـدمات للجـمـهـور، ولا يحمي حقه إلا بقدر ما يؤدي من خدمات.

وقد ظهرت فكرة المصلحة العامة  لتكريس المفهوم الجديد، كاستثناء يمنح حـق التملـك لـلإدارة، ولذلك ظهـر مـا كـان يسمى بحقـوق الارتفـاق الإداريـة، وهي ليست ذات حقـوق الارتفـاق المدنيـة لـعـدم وجـود عقـار مرتفـق تملكـه الإدارة، بـل هـي مـجـرد تـكـاليف لأغـراض المنفعة العامة.

ثـم تطـورت حقـوق الارتفـاق الإداريـة بتطـور الدولة، ووصلت إلى حـد فـرض القيود القانونيـة على الملكية، حيث وصلت هذه القيود إلى الاستيلاء المؤقت على العقارات ونزع ملكيتهـا، واستقر ذلك في الفقه والقضاء، علـى أنـه مـن امتيازات السلطة العامـة، وأصـبـحت دسـاتير الـدول تقر بحق الدولة في الاستملاك للمنفعة العامـة، وتنظم نزعهـا عـن طـريـق القوانين التـي تصدرها.

حيث تتمتع الإدارة ببعض الامتيازات للقيام بمهامها كسلطة عامة (امتياز اتخاذ قرارات نافذة، التنفيذ الجبري…)