م.د جرير عبدالله المولى _ رئيس قسم التربية الفنية

الفن بين المتعة والفائدة

         يشكل الفن على مختلف أشكاله وسيلة من الوسائل التعبيرية المهمة والقادرة على خلق التواصل الحي والمباشر مع المحيط الانساني ، ومن هنا جاءت قدرة الفنون على التأثير في المجتمعات الإنسانية الطامحة للتطور والارتقاء عن طريق التعاطي مع النتاجات الفنية والثقافية والافادة منها بوصفها اداة قادرة على نقل الرسالة ومضمونها .

ينطلق الفن في بداياته الأولى من الرسم ، حيث تشير الرسوم التي تركها الانسان القديم على جدران الكهوف الى البدايات الأولى للإبداع الإنساني وتشكيل الذائقة الفنية لديه ، مثلت تلك الرسوم  رسالة كشفت عن طبيعة تلك الكهف وما تبطن داخلها ، فالأسد أو مجموعة الأسود المرسومة على الجدران الداخلية توضح أن هذا الكهف تسكنه أسود مفترسة ، وكذلك إن وجدت رسومات لأشكال الأفاعي ، وهي رسالة يتداولها الانسان القديم مع اقرانه بهدف التحذير.

     كما تشير المخطوطات الأدبية التي جاءت محفورة على الالواح الطينية الى أثر أهمية الأدب في تشكيل الذائقة عند الانسان، إذ  جاءت المدونات الشعرية القديمة والاساطير والملاحم على شكل نصوصٍ ذات طابع تعليمي يقدِم المواعظ والعبر الأخلاقية، وتعد ملحة (كلكامش) مثالاً أدبياً يَطرح حدود القدرة الإنسانية ويعالج موضوع الطموح البشري الجامح نحو الخلود .

      انبثق فن المسرح من الأدب وكانت البداية عند اليونانيون وقد جاء فن المسرح كغيره من الفنون حاملاً طابعاً تعليمياً مستعيناً بشخصيات تجسّدت على شكل اَلهة أو أنصاف الاَلهة الغرض منها لنشر الوعي عند الجمهور وتوضيح الصواب من الخطأ في ممارساتهم الاجتماعية ، مستعينين بعامل التطهير الذي يستهدف العواطف الإنسانية:

والتطهير هو مصطلح يستخدم بلفظه اليوناني (catharsis) ، ويعرف التطهير بوصفه مصطلحاً طبياً ب (معالجة الداء بالداء) ،

لقد تحول هذا المصطلح الى مفهوم فلسفي له علاقة بالتأثير الانفعالي الذي يستثيره العمل الفني عند الممارس والمتلقي كل من جهته.

ولأن التطهير هو احد علامات التواصل المباشر ما بين العرض المسرحي من جهة  والمتفرج من جهة اخرى، فقد اعتبره (ارسطو) بأنه (الانفعال الذي يحرر من المشاعر الضارة) كما اعتبره احد غايات التراجيديا ، وقد ربط (أرسطو) بين التطهير والانفعال الناتج عن متابعة المصير المأساوي للبطل ، واعتبر ان التطهير الناجم عن عملية المشاهدة للعمل الفني يشكل عملية تنقية وتفريغ للشحنات الموجودة عند المتفرج مما يحرره من أهواءه ، فضلاً عن الكويديا التي استخدمها الاغريق والتي مزجت بين التعليم والامتاع .

لقد حمل المسرح ذلك الطابع التعليمي منذ بداياته فضلا عمّا يحتويه من جانب ترفيهي ممتع ، اذ انه (على سبيل المثال) اسهم وعلى نحو فاعل في ترسيخ المفاهيم الدينية على اختلاف أشكالها ، ويتجلى ذلك المثال في الفتوحات الاسلامية التي بلغت (أندونيسيا) حيث تم الاعتماد على المسرح في نشر تعاليم الدين الاسلامي ، اذ ان بعض الذين اعتنقوا الاسلام من الاندونيسيين قاموا على تكييف عروض خيال الظل المسرحية بما يتفق ومفاهيم الدين الاسلامي ليتخذوا منها وسيلة في نشر التعاليم الدينية فتكون سبباً في هداية الناس، كذلك فقد أفادت الكنيسة من المسرح في نشر تعاليمها أبّان القرون الوسطى وذلك عن طريق نشر تعاليم الدين المسيحي وتقديم المفاهيم الاخلاقية .

لا ينحسر دور الفن في ترسيخ القيم الإنسانية فحسب، إنما تصحيح الأفكار المنحرفة التي يتعرض لها الفرد، لذا فإن وجود الفن في حياتنا لا لمجرد المتعة ، إذ تأتي أهمية الفنون وفاعليتها في تهذيب الذائقة والسلوك الإنساني وتفعيل الجوانب الإيجابية والقضاء على كل تفكير منحرف وضار.