م.د. مصطفى كامل محمد _ تدريسي في كلية الادريسي / قسم القانون

أهمية التصديق على المعاهدات الدولية (اتفاقية خور عبدالله أنموذجاً)

   من الُمتعارف عليه ان المعاهدات الدولية  تؤدي دورا بارزا في الحياة الدولية  , اذ تُعد من اهم مصادر القانون الدولي في الوقت الحاضر وذلك لكونها وسيلة لوضع القواعد القانونية المنظمة للعلاقات السياسية والاقتصادية بين دول العالم , وقد نصت على ذلك المادة 38 من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية و التي قسمت مصادر القانون الدولي الى قسمين: مصادر اصلية  تشمل ( المعاهدات والعرف الدولي ومبادئ القانون العامة ) ومصادر المساعدة تشمل ( احكام المحاكم واراء الفقهاء) .

  فالمعاهدة الدولية وفقا لاتفاقية فينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 في المادة الثانية منها  تُعرف المعاهدة بانها اتفاق دولي يُعقد بين دولتين او اكثر كتابة ويخضع للقانون الدولي سواء تم في وثيقة واحدة او اكثر , وأيا كانت التسمية التي تطبق عليه , لذلك نرى ان الاتفاق الدولي يمكن تسميته معاهدة او اتفاقية او برتوكول او عهد او ميثاق او نظام. وتمر المعاهدات  الدولية قبل ابرامها نهائيا بأربع مراحل شكلية ( المفاوضة , التحرير والتوقيع , التصديق , التسجيل ) وما يهمنا في مقالنا هذا هو مرحلة التصديق على المعاهدة  كون ان التوقيع على المعاهدة –  باستثناء الاتفاقات ذات الشكل المبسط – لا يكون كافيا لكي تكتسب احكامها  وصف الالزام بل من الضروري ان يكون هناك اجراء لاحق للتوقيع الا وهو ( التصديق)  والذي يعد مرحلة مهمة من مراحل ابرام المعاهدات لان الدول لا تلتزم بالمعاهدة الدولية الا اذا قامت السلطة المختصة في الدولة بتصديق المعاهدة بشكل صحيح . ويشترط ان يكون التصديق صادرا من السلطة المختصة به في الدولة و الا اعُتبر تصديقا ناقصا .

ويُعرف التصديق بانه ( قبول الالتزام بالمعاهدة بصورة رسمية من السلطة المختصة والتي تمتلك حق ابرام الاتفاقيات الدولية باسم الدولة وهو اجراء جوهري بدونه لا تتقيد الدولة اساسا بالمعاهدة التي وقعها ممثلها ) وقد عرفت اتفاقية فينا التصديق بأنه ( الاجراء الدولي المسمى كذلك , والذي تقر الدولة بمقتضاه على المستوى الدولي رضاها الالتزام بالمعاهدة )

وقد عرف قانون عقد المعاهدات العراقي رقم 35 لسنة 2015 في المادة 1 / رابعا , التصديق بأنه ( موافقة مجلس النواب ومصادقة رئيس الجمهورية على الالتزام بمعاهدة سبق التوقيع عليها باسم جمهورية العراق او حكومته) وان الحكمة من التصديق هي اعطاء الفرصة لكل دولة قبل الالتزام نهائيا بالمعاهدة للتفكير في ما تتضمنه هذه المعاهدة من حقوق والتزامات لاسيما اذا كان موضوعها يمس المصالح العليا للدولة وكذلك افساح المجال للسلطة التشريعية لابداء رأيها في المعاهدة .

   ومن امثلة الاتفاقات الدولية التي ابرمها العراق وتم التوقيع عليها والمصادقة و لكن لم تنفذ بسبب عدم التصديق عليها بصورة صحيحة هي اتفاقية خور عبدالله بين العراق والكويت الموقعة والمصادق عليها في 25/11/2013 والتي تم نشرها في جريدة الوقائع العراقية بالعدد( 4299) الا ان الاتفاقية تم الطعن بالمصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية العليا والتي تُعد اعلى سلطة قضائية في العراق, فقد تم الطعن عام 2023 بعدم دستورية القانون 42 لسنة 2013 المتعلق بتصديق الاتفاقية بين حكومة جمهورية العراق وحكومة دولة الكويت بشأن تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله، بسبب مخالفة تلك الاتفاقية للمادة (1) من الدستور العراقي والتي تؤكد على السيادة الكاملة لجمهورية العراق وهذا ما يتنافى مع المادة ( 2) من الاتفاقية رقم 42 لسنة 2013. كما استند في بطلان هذه الاتفاقية الى العديد من المواد الدستورية منها ما جاء في المادة 61 من الدستور حيث لم تتبع الاجراءات الدستورية اللازمة للتصويت , اذ صوت في الجلسة المنعقدة في 22/ 8/2013 عدد من النواب لا يمثل الاغلبية في مجلس النواب .

وبناءً على كل ما تم طرحه من المخالفات الدستورية في هذه الاتفاقية، قرّرت المحكمة الاتحادية العليا الحكم بعدم دستورية القانون رقم (42) لسنة 2013 (قانون تصديق الاتفاقية بين حكومة جمهورية العراق وحكومة دولة الكويت بشأن تنظيم الملاحة في خور عبد الله معتمدة على أن الدستور يفرض أن تتم عمليات المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بموافقة أغلبية الثلثين من أعضاء البرلمان,   وقد تلى ذلك الابطال قيام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء العراقي بالطعن بالقرار القضائي الخاص بأبطال تصديق اتفاقية خور عبدالله .

اخيرا  بما ان القضاء العراقي هو الجهة الوحيدة المخولة بالفصل في الخلاف بشان خور عبدالله التميمي وقد قال كلمته بهذا الخصوص بإلغائها ,  ومن وجهة نظرنا ومن الناحية القانونية فان اتفاقية خور عبدالله لحد الان لم تُعد اتفاقية مُلغاة , لان اعلى سلطة قضائية في البلاد وهي المحكمة الاتحادية العليا الغت المصادقة على بنود الاتفاقية لما يشوبها من خرق قانوني صريح  وهو عدم توفر العدد الكافي من النواب الذين يمثلون النصاب القانوني الصحيح الذي يسمح بالتصديق على الاتفاقية الا وهو العدد المطلوب قانونا ( 220 ) نائبا , بينما جرى التصديق عليها من قبل (80)  نائبا فقط وهذا خرق للقوانين , ولحد كتابة مقالنا هذا لم يصدق البرلمان على الاتفاقية مجددا بالعدد المطلوب.

 في الختام نشد على ايدي النواب والخبراء القانونيين الذين اوضحوا وتبنوا مسالة الخرق القانوني لإلغاء المصادقة على الاتفاقية التي تسلب العراق حقوقه في الملاحة البحرية , بنفس الوقت نطالب من البرلمان العراقي الحالي او البرلمان المقبل ان يصوت على الغاء المصادقة وكذلك الغاء الاتفاقية كلها كونها تنتقص من سيادة العراق و سلامة ارضيه و حدوده، وهي بذلك  تهضم حقوق العراق الدولية , و تعتدي على حدوده وحقوقه البحرية في خور عبد الله، الذي يعد ذو أهمية عالية جدا للعراق لكونه الممر المائي الوحيد الذي يربط العراق بدول العالم بحريا. وتأتي خطوة الالغاء للاتفاقية من قبل البرلمان بان يعيد الاتفاقية الى مجلس الوزراء ويجب اعادة النظر بها وارسالها الى وزارة النقل التي بدورها ترسلها الى وزارة الخارجية العراقية التي تقوم بمخاطبة وزارة الخارجية الكويتية  لاعادة النظر فيها كون ان المكتوب في بنود الاتفاقية ان الغرض هو لتنظيم الملاحة ,  ولكن المختصين والفنيين شخصوا وجود علامات وتحديدها خدمة لمصلحة الكويت وهو ما يعتبر عبارة عن تحديد حدود وترسيمها أي انه حصل هنا ( تدليس) في الاتفاقية , والتدليس هنا احد عيوب الرضا الذي يعطي الحق للدولة بان تبطل التزامها بالمعاهدة  وفقا لاتفاقية فينا في المادة ( 50 ) منها .