
م . د جلال حماد عرميط / مدرس مادة القضاء الاداري / كلية الادريسي
الإطار القانوني للمساءلة الجزائية والتأديبية للموظف في الكلية الأهلية: دراسة تحليلية في التشريع العراقي
تشكل الكليات الاهلية جزءاً مهماً من النظام التعليمي في العراق، وقد شهدت في العقود الأخيرة نمواً ملحوظاً نتيجة تزايد الاحتياجات المجتمعية لاستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب خارج إطار التعليم العام. ومع هذا التوسع، ظهرت الحاجة إلى تعديل الإطار القانوني الذي ينظم عمل هذه المؤسسات، خاصة فيما يتعلق بالموظفين العاملين فيها، وبيان طبيعة مسؤولياتهم، وحدود مساءلتهم عند ارتكابهم مخالفات تمس الوظيفة أو المال العام أو السلوك الوظيفي.
يؤدي الموظف في الكلية الخاصة -سواء الإدارية أو الأكاديمية- مهاماً في إطار منشأة تعليمية عامة، ويلتزم في قيامه بذلك بمجموعة من القواعد القانونية والتنظيمية المستمدة من قوانين التعليم الخاص، وتعليمات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وكذلك القواعد العامة في قانون العقوبات وقوانين الخدمة العامة. وفي هذا السياق لا بد من التمييز بين نوعين من المسؤولية القانونية التي قد تترتب على الموظف في حالة الإخلال بواجباته: المسؤولية الجنائية والمسؤولية التأديبية.
ان المسؤوليات الجنائية التي يتحملها الموظف عندما يرتكب أحد المنتسبين للكليات الاهلية جريمة بموجب قانون العقوبات أو أي قانون جزائي خاص، مثل جرائم الرشوة أو التزوير أو الإهمال الجسيم أو إساءة استخدام السلطة. ومن المهم أن المادة (19) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته، وعرّف الموظف العام تعريفاً واسعاً يشمل “كل شخص تكلفه الدولة أو إحدى دوائرها أو مؤسساتها العامة أو جهة رسمية أو أي جهة أخرى بإدارة مرفق عام، سواء بشكل دائم أو مؤقت”. وبالرجوع إلى هذا المقال، ينشأ جدل قانوني حول ما إذا كان موظف الكلية الخاصة يعتبر موظفاً عاماً، إلا أن بعض الاتجاهات القضائية والفقهية تتجه إلى إدراجه ضمن هذا المفهوم حيث أنه يعمل في منشأة تخدم المصلحة العامة وتخضع للإشراف المباشر لوزارة التعليم العالي.
وعليه، يجوز مساءلة الموظف في إحدى الكليات الخاصة جنائياً إذا ارتكب فعلاً يشكل جريمة أثناء تأدية وظيفته أو بسببها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: قبول الرشاوى لتسهيل قبول الطلاب أو تزويدهم بوثائق غير صحيحة، أو التلاعب بالسجلات الزمنية والدرجات، أو إهدار المال العام أو الخاص للمؤسسة. وفي جميع هذه الحالات، لا تكون المساءلة الإدارية أو التأديبية كافية. بل إن الدعوى الجزائية مطلوبة من الادعاء العام أو الجهات الرقابية كهيئة النزاهة أو ديوان الرقابة المالية، إذا أظهرت الأدلة على ارتكاب الجريمة.
أما المسؤولية التأديبية فتنشأ عندما يخل الموظف بواجباته المهنية أو يخالف الأنظمة الداخلية للمنظمة، دون أن يكون فعله إجراميا بموجب قانون العقوبات. وتُعد هذه المسؤولية من أهم أدوات الرقابة الإدارية في المؤسسات التعليمية الخاصة، وتهدف إلى التأكد من حسن أداء الموظف لواجباته والتزامه بالأوامر والتعليمات التنظيمية ، والحفاظ على سمعة المؤسسة وتخضع المساءلة التأديبية لعدة من المبادئ العامة، أهمها ضرورة التحقيق مع الموظف قبل توقيع العقوبة، ومنحه فرص الدفاع عن نفسه، ومدى التوافق بين المخالفة والجزاء، وحقه في الاعتراض أو التظلم.
وتتنوع العقوبات التأديبية التي يمكن توقيعها على الموظف، بحسب جسامة المخالفة، من لفت النظر، والإنذار، وتنزيل الراتب، والتوبيخ، والفصل من العمل، وحتى الفصل النهائي. أي العزل وتخضع هذه العقوبات للرقابة الإدارية والقضائية عند الضرورة، سيما إذا كان القرار التأديبي ناقصا شكلاً أو متجاوزاً للسلطة.
اللافت للنظر أن الوضع القانوني في العراق لم يتناول أو ينظم بشكل واضح إجراءات التحقيق التأديبي داخل المؤسسات الأهلية ومن ضمنها الكليات كما هو متعارف عليه في الدوائر الحكومية، الشيء الذي خلق نقصاً تشريعيًا قد يُستغل بطريقة تُفسد وتلحق الاذى بحقوق الافراد من الموظفين مما يترك انطباعاً سلباً على جودة الأداء المؤسسي.
لذلك، لا بد من إصدار تعليمات تنظيمية خاصة، تصدرها وزارة التعليم العالي، توضح الإجراءات التأديبية لمنتسبي الكليات الاهلية ، وتعزز الشفافية في اتخاذ القرارات التأديبية، وتمنع الاجحاف الذي قد ينال الموظف وكذلك المحاباة والمحسوبية.
ومن خلال رؤيتنا للعلاقة بين المسؤوليات الجزائية والتأديبية، يلاحظ أن الفعل الواحد قد يشكل مخالفة تأديبية وجريمة جنائية في نفس الوقت، الأمر الذي يتطلب من الجهات المختصة التنسيق فيما بينها لتجنب التعارض أو التداخل، كما يشترط عادة استكمال الإجراءات الجزائية قبل صدور قرار الفصل التأديبي النهائي، لضمان عدم المساس بحقوق الموظف في حال ثبوت براءته أمام القضاء.
ويعد جانب الرقابة على مؤسسات التعليم الخاص -بما في ذلك مراقبة أداء الموظفين- أحد الجوانب المهمة التي تضطلع بها وزارة التعليم العالي، والتي من المفترض أن تمارسها من خلال لجان التفتيش والتقييم، إضافة إلى دور الهيئات الرقابية المستقلة، مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة. إلا أن فعالية هذه الرقابة تظل مرهونة بمدى الالتزام المهني والإداري لتلك الأطراف، وكذلك مدى استجابة المؤسسات نفسها لمتطلبات الشفافية والمساءلة.
وعوداً الى ما سبق، يمكن القول أن الإطار القانوني للمساءلة الجنائية والتأديبية للموظف في الكليات الاهلية يشوبه نقص تشريعي واضح وهو بحاجة إلى تطوير تشريعي ومؤسسي يضمن التوازن بين حق المؤسسة في الانضباط الإداري، وحق الموظف في الحماية القانونية من التعسف أو الاتهام غير المبرر. كما أن وضوح الصفة القانونية للموظف الأهلي في النصوص الجزائية سيُسهم في حسم الصعوبات العملية المتعلقة بمسؤوليته، وينمي من اداء الرقابة على هذا القطاع التعليمي المهم.
وكذلك لا يفوتنا ان نقول ان غياب تنظيم تفصيلي واضح لمسؤولية الموظف في الكلية الأهلية في القانون العراقي، إذ لا توجد نصوص واضحة تبين صفة “الموظف العام” للعاملين في المؤسسات التعليمية الأهلية بشكل واضح، مما يؤدي إلى إحراج قانوني في عند مساءلتهم جزائيًا.
مع الاخذ بالاعتبار ان الموظفين في الكلية الاهلية يقومون بمهام ذات طبيعة عامة وتخضع لرقابة وزارة التعليم العالي مما يقربه من مفهوم الموظف العام إلا أن تطبيق المادة (19) من قانون العقوبات عليه لا يزال محل جدل فقهي وقضائي.
سيما وان هناك تشابك واضح بين المسؤولية الجنائية والتأديبية، خاصة في الأفعال التي تعتبر إخلالا بالواجب وقد تشكل في الوقت نفسه جريمة جنائية، مما يتطلب التنسيق الدقيق بين السلطات الإدارية والقضائية.
وكذلك ان نقص التعليمات التنظيمية الخاصة بالتأديب داخل الكليات الأهلية يؤدي إلى تفاوت كبير في الإجراءات المتبعة، وقد يفتح الباب لممارسات إدارية غير منضبطة أو غير عادلة.
مع متابعة ضعف الدور الرقابي للجهات المختصة كهيئة النزاهة ووزارة التعليم العالي، سواء من حيث التفعيل أو من حيث المتابعة المستمرة، يجعل من مساءلة الموظفين أمرًا انتقائيًا في كثير من الحالات.
ان تعديل قانون التعليم الأهلي والاجنبي رقم (25) لسنة 2016 أو إصدار تعليمات تنفيذية خاصة توضح بجلاء صفة الموظف في الكليات الأهلية، ومدى انطباق أحكام قانون العقوبات عليهم وكذلك تعزيز دور المادة (26) من القانون اعلاه التي تنص بقولها ” ” تخضع المؤسسة التعليمية الاهلية لإشراف ومتابعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من النواحي العلمية والإدارية والمالية، وللوزارة الحق في تشكيل لجان تحقيقية في حالة وجود مخالفات” كما ان القانون قد تطرق في ديباجته الى حقوق وواجبات المؤسسين وكذلك العاملين من الموظفين في هذه المؤسسة وهو موضوع مقالتنا.
ان وضع لائحة تأديبية موحدة ملزمة للكليات الأهلية تصدر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تتضمن آليات التحقيق، الضمانات الإجرائية، والعقوبات التأديبية الممكنة، مع توضيح الجهات المختصة بإصدار العقوبات.
وكذلك إلزام الكليات الأهلية بإنشاء لجان انضباط داخلية دائمة، تكون مختصة بالنظر في المخالفات التأديبية، وتضم عضوًا قانونيًا لضمان سلامة الإجراءات.
مما يعزز التنسيق بين الجهات الرقابية (هيئة النزاهة، ديوان الرقابة المالية، وزارة التعليم العالي) في مجال الإبلاغ والتحقيق في المخالفات المرتكبة داخل الكليات الأهلية،
سواء كانت جزائية أو تأديبية.
ان تدريب الكوادر الإدارية في الكليات الأهلية على الجوانب القانونية المتعلقة بالمساءلة، لضمان حسن تطبيق القوانين وتفادي الانتهاكات أو الأخطاء الإدارية الجسيمة.
وبالتالي نوصي المشرع العراقي ان يحدد نص جلي وواضح في قانون التعليم العالي والاهلي رقم (25) لسنة 2016 الواجبات والمسؤوليات التي يلزم بها الموظف في التعليم العالي الاهلي لمعرفة الحدود الفاصلة بين العمل المباح والفعل المحظور .
وان يحدد بموجبه العقوبات المفروضة على الموظف في التعليم الاهلي وان تكون متدرجة من الاخف الى الاشد وان تؤثر في مزاياه الوظيفية .
