حول قانون رقم (3) لسنة 2015م قانون التعديل الأول لقانون الغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم (17) لسنة 2005م الصادر في جريدة الوقائع العراقية (4354) بتأريخ 2/3/2015م .
لقد سنّ المُشرّع العراقي القانون رقم ( 10 ) لسنة 2003 م الذي ألغى بموجبه المادة (55) من قانون ضريبة الدخل النافذ رقم (113) لسنة 1982 ، وكان متوقعاً أن يمارس القضاء العراقي الاختصاص الكامل في نظر المنازعات الضريبية ، وعلى وجه الخصوص بعد أن سنّ المُشرّع العراقي القانون رقم ( 17 ) لسنة 2005 م ، والذي بموجبه ألغى النصوص القانونية التي تقضي بمنع المحاكم ” محاكم القضاء العادي ” من سماع الدعاوى الناشئة من تطبيق القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل الصادرة اعتباراً من 17 / 7 / 1968 ولغاية 9 / 4 / 2003 م .
بيد أن المادة ( 3 ) من القانون رقم ( 17 ) سابق الذكر، استثنت من أحكامها قوانين الضرائب ، فعاد المنع مرة أخرى إلى القضاء في نظر دعاوى الضريبة ! إلا أن التطور الذي حدث في موقف المُشرّع العراقي عندما أصدر القانون رقم ( 3 ) لسنة 2015م (قانون التعديل الأول لقانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم 17 لسنة 2005 م ) والذي ألغى فيه المُشرّع في قانون التعديل ، نص المادة ( 3 ) آنفة الذكر في القانون ذاته ؛ على أن تسري أحكام هذا القانون بأثر رجعي .
غير أن المحكمة الاتحادية العليا قضت بعدم دستورية الفقرة المذكورة في القانون رقم ( 3 ) التي تنص على سريان أحكامه على الماضي ، وذلك بخصوص ما يتصل فقط بالضرائب قائلة في حكمها ( … إذ أن المادة / 19 / تاسعا / من الدستور نصت على ” ليس للقوانين أثر رجعي ما لم ينص على خلاف ذلك ، ولا يشمل هذا الاستثناء قوانين الضرائب والرسوم ” . عليه فإن إلغاء الاستثناء المنصوص عليه في المادة ( 3 ) من قانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم ( 17 ) لسنة 2005 بموجب المادة ( 1 ) من القانون المطعون فيه رقم ( 3 ) لسنة 2015 يُعَدُّ مخالفة صريحة لأحكام المادة ( 19 / تاسعا ) من الدستور . عليه قررت المحكمة الاتحادية العليا إلغاء القانون رقم ( 3 ) لسنة 2015 ، بقدر تعلق, الأمر بسريانه على الماضي فيما يخص الضرائب والرسوم ، أما بقية النص فإنه خيار تشريعي لا غبار عليه ([1]).
([1]) قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (68) ، اتحادية ، أعلام ، 2015م ، في 19 / 10 / 2015م ، بين المدعي وزير المالية إضافة لوظيفته والمدعي عليه رئيس مجلس النواب أضافة لوظيفته ، حيث ادعى وكيل المدعي عليه / إضافة لوظيفته بأن بعض القوانين العراقية تضمنت نصوص تمنع المحاكم من سماع الدعوى المتعلقة بها منها النص الوارد في المادة (55) من قانون ضريبة الدخل رقم (113) العراقي لسنة 1982( لا تسمع المحاكم أي دعوى تتعلق بتقدير الضريبة وفرضها وجبايتها أو معاملة أجريت وفق أحكام هذا القانون ) والمادة (20/7) من قانون ضريبة العقار رقم (162) لسنة 1959م (لا تسمع المحاكم أي دعوى تتعلق بتطبيق أحكام هذا القانون ) ، وصدر قانون من المدعي عليه / إضافة لوظيفته تحت رقم (17) لسنة 2005م ، ألغى بموجبه النصوص القانونية الواردة في القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة ( المنحل ) اعتباراً من 17/7/1968 لغاية 9/4/2003 التي تقضي بمنع المحاكم من سماع الدعوى الناشئة عن تطبيق تلك القوانين والقرارات ، واستثنى القانون المذكور في المادة (3) منه قوانين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية والضرائب وقرارات منع التجاوز على أراضي الدولة من أحكام القانون المنوه عنه آنفاً، وصدر القانون (3) لسنة 2015م (قانون التعديل الأول لقانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعوى رقم (17) لسنة 2015المشار إليه أعلاه ، قرر بموجب المادة (1) منه إلغاء الاستثناء الوارد في المادة (3) من القانون رقم (17) لسنة 2005 ومنها الاستثناء المتعلق بالضرائب وأن تسري أحكامة بأثر رجعي .وقد قضت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها (بعد التدقيق والمداولة ، وجد بأن المدعي وزير المالية / إضافة لوظيفته ، يطعن بالقانون رقم (3) لسنة 2015م قانون التعديل الأول لقانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعوى رقم (17) لسنة 2005، إذ ألغي بموجب المادة (1) من القانون المطعون فيه المنوه عنه آنفاً الاستثناء الوارد في المادة (3) من قانون رقم (17) لسنة 2005 والمتعلق بقوانين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية والضرائب وقرارات منع التجاوز على أراضي الدولة ، طالباً إيقاف تنفيذ القانون المطعون فيه رقم (3) لسنة 2015م في الوقت الحاضر وقبل البت في الدعوى ، والحكم بإلغائه تجاه قوانين الضريبة ، وجعل النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعوى خاصة بقوانين الضريبة سارية المفعول ، كون إلغاء الاستثناء المنوه عنه ، وحسب ادعائه ، يخالف أحكام المواد 19/ تاسعاً و 60 و 80 من الدستور ، كما يخالف مبدأ حجية الأحكام الواردة في المادة (105) من قانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل . وحيث أن المادة ( 19/تاسعا من الدستور تنص على إنه” ليس للقوانين أثر رجعي ، ما لم ينص على خلاف ذلك ، ولا يشمل هذا الاستثناء قوانين الضرائب والرسوم “، وعليه فإن إلغاء الاستثناء المنصوص عليه في المادة (3) من قانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعوى رقم (17) لسنة 2005 بموجب المادة (1) من القانون المطعون فيه رقم (3) لسنة 2015م يعتبر مخالفة صريحة لأحكام المادة (19/ تاسعا) من الدستور ، عليه قررت المحكمة الاتحادية العليا إلغاء القانون رقم (3) لسنة 2015م ، بقدر تعلق الأمر بسريانه على الماضي فيما يخص الضرائب والرسوم أما بقية النص فأنه خيار تشريعي لا غبار عليه ….وأفهم علنا في 19/ 10/ 2015م .
ونرى أن ولاية النظر في المنازعات الضريبية عادت مرة أخرى إلى القضاء على أن اختصاصه يبقى مقيداً بالنظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق قانون ضريبة الدخل الواقعة بعد نفاذ القانون رقم ( 3 ) لسنة 2015 . علماً أن المُشرّع عَدَّ نفاذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ، وقد نشر القانون في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ( 4345 ) في 2 / 3 / آذار/ 2015 م .
إن المسلك التشريعي في هذا المقام يُعَدَّ سليما لاتفاقه مع ما جاء به الدستور العراقي النافذ من أحكام منعت المُشرّع من تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن ( القضائي) وفق ما نصت عليه المادة (100) من الدستور العراقي النافذ.
ولكون هذا القانون سالف الذكر قد اشتمل على مادتين جاء في المادة رقم (1) يلغى نص المادة (3) من قانون إلغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم (17) لسنة 2005 ؛ وتسري أحكام هذا القانون بأثر رجعي. ونصت المادة (2) منه على ينفذ هذا القانون مــــــــــــــن تأريخ نشره في الجريدة الرسمية .
وبعد ولادة عسيرة بصدور القانون الأول ، وفي انعطافه تنفيذية غير مدروسة أقر مجلس الوزراء التعديل الثاني لقانون الغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم (17) لسنة 2005م ؛ إذ جاء في هذا التعديل على إلغاء نص المادة (1) من القانون واستبداله بنص قانوني ينص على ( تستثنى قوانين الضرائب من احكام هذا القانون) كما نصت الاسباب الموجبة للتعديل على النظر لكون حق التقاضي مكفول في القوانين الضريبية ولتفادي الازدواجية في التقاضي أمام القضاء العادي والضريبي ؛ ولضمان مصلحة المكلف والحفاظ على المال العام.
ونرى أن ذلك يمثل انتكاسة قانونية مستقبلية ستصيب القوانين الضريبية في العراق ؛ وخصوصاً بعدّ أن سنَّ المشرع العراقي قانون التعديل الأول ؛ بعد جهد جهيد ؛ لنرى قانون التعديل الأول على صيغته الحالية ؛ ويحدونا الأمل بانتظار تنفيذ هذا التعديل على أرض الواقع ، نفاجئ بأن السلطة التنفيذية نكصت على عقبيها وخالفت اليقين القانوني في المحافظة على حق التقاضي أمام المحاكم المختصة الذي كفله الدستور العراقي النافذ لسنة 2005م في نص ( البند ثالثاً من المادة 19) والتي نصت على ” حق التقاضي مصون ومكفول للجميع ” وهو مبدأ دستوري غاية في الأهمية ؛ عندما قدمت بعد عام تقريباً وبالتحديد في سنة (2016م) مشروع قانون التعديل الثاني إلى البرلمان ! بمبررات غير مقبولة وذرائع غير مسوغة ليس من المتصور قبولها قانوناً ، بحجج واهنة تتجلى حول كفالة القواعد القانونية في التشريعات الضريبية في حق التقاضي أما هيأت إدارية أو هيأت مختلطة تتمتع بقدر بسيط من الاختصاص القضائي لا يرقى إلى مستوى تحقيق التوازن بين مصلحة المكلف والخزينة العامة بما يضمن مصلحة كفتي المعادلة الضريبية ، أو بحجة قيام التنازع السلبي أو الايجابي بين القضاء العادي والقضاء الإداري ؛ فحل هذه المشكلة من السهولة بمكان ؛ من خلال هيأة تعيين المرجع التي تتشكل من (6) أعضاء ؛ (3) منهم يختارهم رئيس محكمة التمييز؛ و (3) يختارهم رئيس مجلس الدولة وتجتمع الهيأة برئاسة رئيس محكمة التمييز ويكون قرار الهيأة بالاتفاق أو الاكثرية باتاً وملزماً.
مع العلم أن مجلس الدولة قد دقق مشروع قانون التعديل الثاني منذ عام 2016م إلا أنه لم يتم التصويت عليه ؛ لعدم حصول التوافق السياسي على أغلب الظن . إلا أن السلطة التنفيذية تصر من غير مبرر قانوني وفي خرق واضح لنص المادة (100) من دستور جمهورية العراق النافذ على إعادة مشروع القانون من جديد ؛ بل وتوصي مجلس النواب بسنها بالقريب العاجل . وهذا التصرف فيه خرق للدستور ولاستقرار القواعد القانونية ؛ فأين دور اللجنة القانونية في مجلس النواب في ذلك ، وما دور الرقابات البرلمانية إن لم تنصف أنفاذ القوانين .
وصفوة القول أن المكلف الضريبي يجب عليه دفع دين الضريبة أولاً وفق مبدأ ” الدفع ثم المعارضة ” ومن ثم عليه اللجوء إلى اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي فيتم الاعتراض أمام السلطة المالية – الإدارة الضريبية – خلال مدة (21) يوماً والقرار الصادر عنها بالرفض يعد قراراّ إدارياً ([1]) . وفي حالة عدم حصول اتفاق أو تسوية ، فيكون الاعتراض أمام اللجان الاستئنافية خلال (21) يوماً ، وقد أجاز المشرع في حالة عدم قناعة المكلف والسلطة المالية بقرار اللجنة الاستئنافية الطعن به أمام الهيأة التمييزية خلال مدة (15) يوماً ؛ وتكون قرارات الهيأة قطعية أي باتة وملزمة ([2]).
وهدياً لما تقدم فإن هناك – منازعة ضريبة – بين المكلف والإدارة الضريبة ما دامت داخل اللجان الإدارية صاحبة الاختصاص القضائي وبالتأكيد سيكون حلها غير منصف ؟.
ويثار التساؤل الآتي ؛ من له سلطة الفصل في هذه المنازعة هل هو القضاء الإداري أم القضاء العادي في حالة تطبيق قانون التعديل الأول ؟
من المسلم به أن القرارات الضريبية هي قرارات إدارية بحته قد توافرت فيها اركان القرار الإداري ، صادرة عن مرفق إداري عام ذو طبيعة مالية وبالتالي فإن اختصاص البت في مثل هذه القرارات هو من اختصاص القضاء الإداري وقرارته قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا ويرى الباحث أن القضاء المختص بنظر المنازعات الضريبية بعدّها جزء من المنازعة الإدارية [1]هو محكمة القضاء الاداري ، إذ عَدّت أكثرية التشريعات ما يصدر من الخزينة العامة هو قرار إداري بطبيعته ([2]) . ويسجل الباحث في هذا المقام قلة القرارات الصادرة عن المحكمة الاتحادية في المجال الضريبي منذ بداية تأسيسها إلى يومنا هذا بخمسة قرارات يتيمة اثنان منها خصت الموازنة العامة وآخر خص قانون الهيأة العراقية للاعتماد وآخران في المجال الضريبي طعنت بهما المديرة المفوضة لمصرف الشرق الأوسط للاستثمار إضافة إلى وظيفتها مرة ضد وزير المالية إضافة لوظيفته ومرة ضد رئيس مجلس النواب إضافة إلى وظيفته.
هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن المنازعة الضريبية هي في الأصل خصومة في حالة سكون يحركها صاحب المصلحة ([3]) . وبما أن المنازعة الضريبية تكون الإدارة الضريبية طرفاً فيها ، وأن مرجعها هو قانون الضرائب ، بقطع النظر عما إذا كان الطرف الآخر مكلفاً طبيعياً أم معنوياً، فإن الاختصاص سينعقد للقضاء العادي وفق نص قانون التعديل الأول ؛ لذلك سنحتاج إلى تقنين القوانين الضريبية ، لكن التقنين سيؤدي حتماً إلى جمود النص الضريبي ، وعندئذ سنركن إلى تطبيق القواعد العامة التي تنص على جواز الاعتماد على القوانين الأخرى.
_______
([1]) ونعرف المنازعة الإدارية بانها ” كل نزاع أو تنازع بين المصالح يقع بين الأفراد فيما بينهم ؛ أو بينهم وبين إحدى السلطات العامة في الدولة يتم عرضه على القضاء إذا باشر صاحب الشأن حقه في التقاضي من خلال رفع الدعوى ؛ ليتحول النزاع إلى فكرة مادية تتصل بالوقائع إلى منازعة كفكرة قانونية تفصل بها المحكمة المختصة بما يحقق القانون والعدل . ينظر في تفصيل ذلك : د. سامي جمال الدين : إجراءات المنازعة الإدارية في دعوى إلغاء القرارات الإدارية ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، 2005م ، ص 15 .
([2]) على الموقع الإلكتروني : https://uomustansiriyah.edu.iq وقت الدخول 20:29في 20/11/2023
([3]) د. رمضان صديق : إنهاء المنازعة الضريبية الناشئة عن تطبيق القوانين الضريبية والاتفاقيات الدولية – دراسة مقارنة – ، دار النهضة العربية ، 2006 م ، ص 19 .
كالقانون المدني وقانون المرافعات وغيرها من القوانين ذات العلاقة على المنازعة الضريبية المعروضة أمام القضاء العادي.
ويطرح الباحث التساؤل الآتي ما مصير القاعدة الدستورية التي تنص على ” قانونية الضرائب ” ؟ أي أن الضريبة لا تفرض ولا تجبى ولا تُعدّل ولا تُلغى ولا يُعفى منها إلا بقانون ، أي بقانون صادر عن السلطة التشريعية ( مجلس النواب ) ، إذن سنكون أمام خرق صريح ومخالفة للقانون استند إلى أن مصدر القانون الضريبي الرئيس هو السلطة التشريعية ، وبذلك يُعدٌّ التشريع هو المصدر الرئيس للقانون الضريبي ، وهذا ما جاء به التعديل الأول حيث قرر نقض الرجعية في القوانين الضريبية على الماضي ، بأثر رجعي وبقائها مستمرة من تاريخ التعديل نحو المستقبل ، ولا ندري لماذا تم ذلك فحتى في القوانين الجزائية اجاز المشرع العودة على الماضي في شقين هما ” القوانين المفسرة والقانون الأصلح للمتهم ” على أن الرجعية هنا تكون لمصلحة السلطة المالية – الإدارة الضريبية – في الحصول على إيرادات ترفد الخزينة العامة بالنقد .
ويرى الباحث أن المشرع العراقي قد اخفق في سن قراره الذي اُسس على مشروع قانون السلطة التنفيذية عندما جعل الاختصاص ينعقد للقضاء العادي مرة ، ومرة ثانية اخفق بعد نفاذ القانون وظهوره إلى حيز التطبيق ، عندما قضت المحكمة الاتحادية بعدم دستورية رجوع النصوص الضريبية على الماضي ؛ وكان سبب هذا الاخفاق وفق وجه الرأي القانونية عدم وضوح الرؤيا والقناعة الكافية لدى المحكمة حول طبيعة القوانين الضريبية وقلة القرارات الصادرة عن المحكمة في هذا المجال .
وعوداً على ذي بدء ، يرى الباحث إن مسوغات مشروع التعديل الثاني المقدم من السلطة التنفيذية إلى مجلس النواب هو صعوبة تطبيق اختصاص القضاء العادي في بسط نفوذه على القوانين الضريبية ؟ فليس من المتصور أن يتعلق حق الدولة على اليمين الحاسمة أو شهادة الشهود بعدّها وسائل شفوية غير مقبولة للأثبات وفق القوانين الضريبية ، ويرى جانب من الفقه ([1]) ، لا تقبل في القوانين الضريبية إلا وسائل الاثبات الكتابية ، ولا يجوز توجيه صيغة اليمين متممةً كانت أم حاسمةً إلى الدولة – السلطة المالية – لأن ذلك مخالفة للنظام العام ؛ لكون المراكز القانونية غير متساوية ولا يجوز نقل عبء الاثبات إلى الخصم .
وهدياً لما تقدم فإن الحق الضريبي يثبت تحريرياً بالأدلة والمستندات أو القرائن المقبولة قانوناً ، لكون عبء الاثبات يقع على المدعي – السلطة المالية ” الإدارة الضريبية ” -.
وخلاصة القول أن من اسباب مشروع قانون التعديل الثاني المقدم هو صعوبة الإجراءات القضائية أمام القضاء العادي .
ويرى الباحث أن الأجدر أن ينعقد الاختصاص للقضاء الإداري عند قيام المنازعة الضريبية كونها صاحبة الاختصاص الدقيق في ذلك ، باستثناء الضرائب الكمركية التي رسم لها المشرع طريقاً خاصاً للتقاضي بعد تعديل هيكلية المحكمة الكمركية .
الاستنتاجات :
1- للوهلة الأولى فأن قانون التعديل الأول جعل القضاء العادي هو صاحب الاختصاص في نظر المنازعة الضريبية؛ بيد أن اختصاصه يبقى مقيداً بالنظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق قانون ضريبة الدخل الواقعة بعد نفاذ القانون رقم ( 3 ) لسنة 2015م ، أعمالاً لنص المادة (100) من دستور العراق النافذ .
2- أن المحكمة الاتحادية العليا قضت بعدم دستورية الفقرة المذكورة في القانون رقم ( 3 ) التي تنص على سريان أحكامه على الماضي فيما يخص الضرائب والرسوم ، أما بقية النص فإنه خيار تشريعي لا غبار عليه بعدّها مخالفة صريحة لأحكام المادة ( 19 / تاسعا ) من الدستور .
3- إن من مسوغات مشروع التعديل الثاني المقدم من السلطة التنفيذية إلى مجلس النواب هو صعوبة تطبيق اختصاص القضاء العادي في بسط نفوذه على القوانين الضريبية إذ أقر مجلس الوزراء التعديل الثاني لقانون الغاء النصوص القانونية التي تمنع المحاكم من سماع الدعاوى رقم (17) لسنة 2005م ؛ إذ جاء في هذا التعديل على إلغاء نص المادة (1) من القانون واستبداله بنص قانوني ينص على ( تستثنى قوانين الضرائب من احكام هذا القانون) .
4- إن السلطة التنفيذية خالفت اليقين القانوني في المحافظة على حق التقاضي أمام المحاكم المختصة الذي كفله الدستور العراقي النافذ لسنة 2005م في نص ( البند ثالثاً من المادة 19) والتي نصت على ” حق التقاضي مصون ومكفول للجميع ” وهو مبدأ دستوري غاية في الأهمية؛ أن مجلس الدولة قد دقق مشروع قانون التعديل الثاني منذ عام 2016م إلا أنه لم يتم التصويت عليه .
5- إن السلطة التنفيذية تضرعت بحجة قيام التنازع السلبي أو الايجابي بين القضاء العادي والقضاء الإداري ؛ فحل هذه المشكلة من السهولة بمكان ؛ من خلال هيأة تعيين المرجع.
6- وفي هذه الحالة فأن المكلف الضريبي يجب عليه دفع دين الضريبة أولاً وفق مبدأ ” الدفع ثم المعارضة ” ومن ثم عليه اللجوء إلى اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي .
7- يرى الباحث أن القرارات الضريبية هي قرارات إدارية بحته قد توافرت فيها اركان القرار الإداري ، صادرة عن مرفق إداري عام ذو طبيعة مالية وبالتالي فإن اختصاص البت في مثل هذه القرارات هو من اختصاص القضاء الإداري وقرارته قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا باستثناء الضرائب الكمركية التي رسم لها المشرع طريقاً خاصاً للتقاضي بعد تعديل هيكلية المحكمة الكمركية.
8- يسجل الباحث ملحوظة تتعلق بقلة القرارات الصادرة عن المحكمة الاتحادية في المجال الضريبي .
9- أن المشرع العراقي قد اخفق في سن قراره الذي اُسس على مشروع قانون السلطة التنفيذية عندما جعل الاختصاص ينعقد للقضاء العادي مرة ، ومرة ثانية اخفق بعد نفاذ القانون وظهوره إلى حيز التطبيق ، عندما قضت المحكمة الاتحادية بعدم دستورية رجوع النصوص الضريبية على الماضي ؛ وكان سبب هذا الاخفاق وفق وجه الرأي القانونية عدم وضوح الرؤيا والقناعة الكافية لدى المحكمة حول طبيعة القوانين الضريبية وقلة القرارات الصادرة عن المحكمة في هذا المجال .
د. شامل سامي عواد
رئيس قسم القانون
