يسرّ كلية الإدريسي الجامعة أن تسلط الضوء على نتاج علمي وقانوني متميز، يُسهم في إثراء المكتبة الجنائية العربية؛ حيث شارك الدكتور جلال حماد عرميط الدليمي، بجانب نخبة من الباحثين الأكاديميين العراقيين والعرب، في إعداد هذا المُؤَلَّفِ القانونيِّ الرصين:

لقد جرى إعداد هذا المُؤَلَّف وبجهود علمية مشتركة لمجموعة من الباحثين العراقيين والعرب.


إذ استقرت الفلسفة القانونية المعاصرة على حقيقة مفادها: أن السياسة العقابية التقليدية، التي ترتهن إلى تجريد الجاني من حريته واحتجازه خلف القضبان، لم تعد تشكل الحل الأمثل لمواجهة تنامي الظاهرة الإجرامية في مجتمعاتنا. بل إن التمسك بهذا النهج الكلاسيكي قد يفضي إلى نتائج عكسية؛ ليتحول السجن في كثير من الأحيان من أداة للإصلاح والتقويم إلى بيئة لتطوير المهارات الإجرامية.
من هنا، بات من الضروري التفكير خارج إطار الزنزانة التقليدية، والبحث عن بدائل أكثر إنسانية وفعالية تنسجم مع متغيرات العصر، وتكفل في الوقت ذاته حماية المجتمع. ومن هذا المنطلق برز مفهوم (العقوبات البديلة) ليمثل نقلة نوعية في فلسفة الردع الجنائي؛ إذ ترتكز هذه المنظومة الحديثة على فكرة إصلاح المحكوم عليه وإعادة دمجه في نسيجه المجتمعي عبر التزامات بناءة؛ كأداء أعمال خدمية لصالح المنفعة العامة، أو الخضوع لبرامج تأهيلية ونفسية، أو الالتزام بالإقامة الجبرية والمراقبة الإلكترونية، بدلاً من عقوبة الحبس التي غالباً ما تحطم كيان الجاني الأسري والوظيفي.
ولضمان نجاح هذه التجربة، استحدث الفكر القانوني آلية قضائية متخصصة تتولى الإشراف والمتابعة عن كثب، تجسدت في نظام (قاضي تنفيذ العقوبات) الذي يعد المحرك الأساسي لهذه المنظومة. فهذا القاضي لا ينظر في موضوع الجريمة ولا يصدر أحكاماً بالإدانة، بل يبدأ دوره بعد صدور الحكم القطعي، ليكون رقيباً وموجهاً يسهر على تطبيق العقوبة البديلة بمرونة عالية، ويمتلك سلطات واسعة تتيح له تعديل نظام العقاب أو استبداله بناءً على سلوك المحكوم عليه وتجاوبه مع التأهيل، مما يضفي صبغة واقعية وحيوية على العملية العقابية.
إن هذا التحول الجوهري ينقل العقوبة من سياقها التخويفي القائم على الإيلام والإقصاء، إلى مسار بناء يهدف إلى تقويم الفرد ليكون عنصراً منتجاً. وهي رؤية متقدمة بدأت تشق طريقها نحو التطبيق في العديد من التشريعات العربية كالمغرب والبحرين، وصولاً إلى العراق الذي يسعى بجدية إلى إرساء قواعد قانونية واضحة لهذا النظام؛ سعياً لتخفيف العبء عن المؤسسات الإصلاحية ومعالجة أزمة الاكتظاظ. وفي المحصلة، يظل الهدف الأسمى هو إرساء دعائم الأمن الاجتماعي بمعالجة جذور السلوك الإجرامي بالحكمة والروية، إذ إن السلم المجتمعي الحقيقي يتحقق بإصلاح المذنبين وإعادتهم إلى جادة الصواب.
ويأتي هذا المُؤَلَّفُ، الذي تضافرت فيه رؤى نخبة من الباحثين العراقيين والعرب، ليمثل حلقة وصل متينة بين أصالة البحث العلمي ومواكبة التحولات الرقمية والتشريعية المعاصرة. وقد امتاز الباحثون فيه بالخروج عن النمطية الجامدة، متمسكين بأعلى معايير الأمانة العلمية والوفاء لنهج أساتذتهم، مما يثبت للقارئ أن الفكر والإبداع الأكاديمي المشترك لا يزالان بخير.
يجمع هذا المُؤَلَّفُ بين الرؤية القانونية، والفكر التقني، والتحليل المقارن بأسلوب واضح يبتعد عن التعقيد. وهو بذلك يعد مرجعاً علمياً تخصصياً لا غنى عنه، يسد فراغاً واضحاً في المكتبة الجنائية العربية، ويقدم مادة غنية لرجال القضاء، والمحامين، وطلاب الدراسات العليا والباحثين المهتمين بحقل العدالة الإنسانية.
كل التوفيق والسداد لك دكتور جلال ولجميع الزملاء الباحثين المشاركين في هذا المُؤلف المتميز.
م.د جلال حماد عرميط الدليمي
كلية الادريسي الجامعة
قسم القانون
